شيعة العراق ـ التأسيس ـ التاريخ ـ المشروع السياسي
السيد سامي البدري

 

تمهيد

تُهَمٌ وافتراءات حول الشيعة والتشيّع:

( قالوا في تفسير نشأة التشيع لعلي عليه السلام والاعتقاد بوصية النبي صلى الله عليه وآله إليه بشأن الرسالة والأمة: أن أول من قال بها وأظهرها رجل يهودي أظهر الإسلام أيام خلافة عثمان ، اسمه عبد الله بن سبأ (1) .

وأنه استطاع أن يقنع صحابة بررة أمثال : أبي ذر ، وعمار بن ياسر ، وعبد الرحمن بن عديس البلوي ، وزيد وصعصعة إبني صوحان العبدي ، والتابعين الأخيار ، أمثال مالك الأشتر بأنَّ عليّاً وصيُّ النبي صلى الله عليه وآله ، وأن قريشاً اغتصبته حقه.

وأنَّ ابن سبأ هذا أخذ يتحرك في الأمصار ويهيِّج الناس على عثمان ليقتلوه لأنه غصب حق علي عليه السلام ، ولما قتل السبئيون عثمان فرضوا بيعة علي عليه السلام بالقوة.

( وقالوا أيضا : أن عقيدة الشيعة في علي عليه السلام تطورت حتى قالوا أن الرسالة كانت بالأصل لعلي عليه السلام ولكن جبريل أخطأ وخاطب بها محمداً صلى الله عليه وآله .

( وقالوا عن شيعة العراق : أنهم مذمومون على لسان علي والحسن والحسين عليهم السلام .

فهم ملأوا قلبه قيحا ، وتمنى فراقهم ،

وودَّ أن معاوية صارفه بهم صرف الدينار بالدرهم ،

وأنهم قتلوه غيلة .

وحاولوا اغتيال ولده الحسن عليه السلام ونهبوا متاعه ، وأرادوا تسليمه لمعاوية .

وأنهم دعوا الحسين عليه السلام لينصروه فخذلوه ثم قتلوه ثم بكوا عليه .

وغير ذلك من التهم الشنيعة الباطلة التي اختلقها لهم العباسيون وروجها إعلامهم ، لأجل تطويق حركة التشيع في العراق خاصة.

الشيعة أكبر قوة سياسية في العراق الجديد :

اليوم حيث يستقبل العراق عهداً جديداً بعد زوال أسوأ نظام عرفه العالم في تاريخه المعاصر ، ويبرز شيعة العراق بصفتهم أكبر قوة سياسية مؤثرة في صياغة مستقبله وهي قضية ليست اليوم بحاجة إلى بيان لإثباتها ، وفي وضع كهذا تصبح الحاجة ماسة إلى عرض تصور مختصر عن نشأة الشيعة وتاريخهم ومشروعهم السياسي الذي تفرزه مصادرهم الفقهية والفكرية الأصيلة ويترقبه العالم منهم .

قد يقال إن في ذلك إثارة للطائفية !

قد يقال أن في ذلك إثارة للطائفية ، لأنَّ إثارة قضايا التاريخ وبخاصة ما جرى بين المسلمين في. الصدر الأول مما يؤجِّج الطائفية ويزيد من عوامل الفرقة ، في الوقت الذي يحتاج العراقيون فيه إلى مزيد من الألفة والتقارب ؟

والجواب هو :

أن الطائفية المرفوضة هي الطائفية التي تنتج التمييز في الحقوق بين المسلمين بل بين كل المواطنين ، أو تلك التي تنتج فرض الرأي الواحد في المجتمع أو الدولة بالقوة ، أما أن توضح كل طائفة عقيدتها ، ورؤيتها، وتاريخها ، وتدفع عن نفسها التهم التي ألصقت بها تاريخياً ، ولاحقتها في مراحل مقبلة من مسيرتها بهدف تطويقها وتكريس حرمانها من حقوقها فهو حق مشروع ومفردة من مفردات حرية الفكر وحرية التعبير عن الرأي ، وليس هو من الطائفية بشيء، نعم ينبغي أن يقوم التوضيح والبحث على أسس علمية موضوعية.

بحوث هذا الكتاب تؤكد على الأخوّة :

ونحن نؤكد لكل أخ مسلم في العراق وغيره ، قد يخالفنا في رؤيتنا ، أننا في بحوث هذا الكتاب حين نسمي الأشياء بمسمياتها لا نقصد تجريح أحد ، ولا الطعن على أحد ، ولا نريد بذلك تسجيل حقوق إضافية لنا في قبال الآخرين أو غمط شيء من حقوقهم ، بل نريد أن ندافع عن أنفسنا ، ونعرض تاريخ نشأتنا وتاريخ مسيرتنا كما نعتقد وكما يرويه الصادقون من الرواة وتسجله المصادر المعتبرة، ونحافظ على أخوتنا مع من يختلف معنا في قراءة التاريخ أو تفسير ظواهره ، هذه الأخوة التي بناها الإسلام على الإيمان بالله تعالى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله خاتم الأنبياء ، وما عداها ينبغي أن يخضع للبحث العلمي والحوار الموضوعي الهادئ وفي إطار من الأخوة .

حقيقة جديرة بالذكر :

ومن الجدير ذكره هو التنبيه على حقيقة ان الشيعة الإمامية كباقي الكيانات الفكرية والمذهبية في الأمة المسلمة لا تجزئة فيه شأنه شأن كل الكيانات المذهبية الإسلامية الأخرى ، ولكنه من الناحية السياسية هو كيان مجزء تبعا لتجزئة الأمة الإسلامية إلى دول سياسية مستقلة بعضها عن البعض الآخر في همومها ومشكلاتها الأساسية التي تستقطب كل جهودها واهتمامها . ومن ثم كان الشيعة في كل بلد ومنهم شيعة العراق لهم همومهم ومشكلاتهم الخاصة بهم في بلدهم . وحديثنا هنا ينطلق من هذه النظرة ، مع ملاحظة أن للعراق حصة خاصة في نصرة المذهب عموما وبخاصة أيام نشأته الأولى وقد دفع العراقيون ثمنها غالياً كما هو مبين في هذا البحث .

______________________

(1) انظر مختصر التحفة الاثني عشرية للدهلوي الهندي ترجمة الآلوسي العراقي ، ومنهاج السنة لابن تيمية. أقول: من المؤسف جداً أن يصر البعض في عصرنا الراهن على ترويج مثل هذه الأكذوبة المفضوحة لتفسير نشأة الشيعة على الرغم من أن راويها الوحيد هو سيف بن عمر التميمي المجمع على كذبه المتهم بالزندقة المتوفى بعد سنة 170 أو بعد سنة 191 أحد كتاب العهد العباسي الأول وقد ملأ كتابه بالأخبار الكاذبة استجابة للإعلام العباسي الذي رسم خطوطه أبو جعفر المنصور بعد أن قضى على ثورة الحسنيين سنة 144 هجـ .

التالي | السابق